القائمة الرئيسية

الصفحات

ماهي المدة الشرعية لغياب الزوج عن زوجته في الدين الاسلامي سؤال قد يعتقد البعض انه سؤال غريب ولا يجب طرحه

ما هي المدة الشرعية لغياب الزوج عن زوجته في الإسلام؟ حكم شرعي يجهله كثير من الناس


يعتقد البعض أن الحديث عن مدة غياب الزوج عن زوجته أمر محرج ولا يجب طرحه، لكن في الحقيقة الإسلام دين واقعي نظم كل تفاصيل الحياة الزوجية، بما فيها حق الزوجة في المعاشرة وحق الزوج في السفر والعمل. وقد ناقش الفقهاء هذه المسألة منذ أكثر من 1400 سنة ووضعوا لها ضوابط تحفظ كرامة المرأة وتحفظ كيان الأسرة.




#### أولاً: الأصل في الشريعة.. المعاشرة بالمعروف وحق الزوجة



قال الله تعالى: *"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"* [النساء: 19]. والمعاشرة بالمعروف لا تعني فقط الأكل والشرب، بل تشمل المبيت، والمؤانسة، وإعفاف الزوجة عن الحرام.


ابن تيمية رحمه الله قال: "يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف، وهو من أوكد حقها عليه، أعظم من إطعامها".


فغياب الزوج الطويل بدون عذر يعتبر إخلالاً بهذا الحق.


#### ثانياً: القصة الشهيرة التي حددت المدة - رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه


أصل تحديد المدة يعود لقصة مشهورة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فقد كان عمر يتفقد الرعية ليلاً، فسمع امرأة تنشد شعراً تشتكي فيه من غياب زوجها المجاهد:


> لقد طال هذا الليل واسود جانبه

> وأرقني إذ لا حبيب ألاعبه


فلما سأل عمر ابنته حفصة: "كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟" قالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: "لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك".


ومن هنا أخذ الفقهاء تحديد المدة.


#### ثالثاً: آراء المذاهب الأربعة في المدة الشرعية


اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للزوج أن يغيب عن زوجته أكثر من المدة التي تتضرر بها، لكنهم اختلفوا في تحديدها بالأشهر:


*1. مذهب الحنفية والحنابلة: أربعة أشهر*

استدلوا بقوله تعالى في الإيلاء: *"لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ"* [البقرة: 226]. فإذا كان الله لم يسمح للزوج الذي حلف ألا يقرب زوجته أن يزيد عن أربعة أشهر، فمن باب أولى ألا يغيب عنها أكثر من ذلك بدون سبب.


*2. مذهب المالكية والشافعية: ستة أشهر*

وهذا هو المشهور الذي أخذ به عمر بن الخطاب، وقالوا إن المرأة تصبر ستة أشهر، وبعضهم قال أربعة أشهر هو الأفضل.


*3. الرأي المعاصر الذي تعمل به المحاكم الشرعية:*

أغلب قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية اليوم (مصر، السعودية، الأردن، المغرب) أخذت بمدة *سنة كاملة* كحد أقصى للغياب بدون عذر، وبعدها يحق للزوجة أن ترفع دعوى طلاق للضرر بسبب الغياب. أما إذا كان الغياب بعذر مثل السفر للعمل أو الدراسة أو المرض أو السجن، فالمدة تطول لكن بشرط رضا الزوجة.


#### رابعاً: الفرق بين الغياب بعذر وبدون عذر


الإسلام يفرق بين حالتين:


*أ- الغياب بعذر مشروع:* مثل السفر للعمل لتأمين الرزق، أو للجهاد، أو للعلاج، أو للدراسة. في هذه الحالة، إذا كانت الزوجة راضية وتتواصل معه ويؤمن لها احتياجاتها، فلا حرج عليه، لكن الأفضل ألا يطيل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي المسافرين: "السفر قطعة من العذاب" وكان يقول: "إذا قضى أحدكم حاجته من سفره فليعجل الرجوع إلى أهله".


*ب- الغياب بدون عذر أو للهجر والتأديب:* هذا لا يجوز أن يزيد عن أربعة أشهر. وإذا زاد عن ذلك بدون رضا الزوجة فهو آثم شرعاً، وللزوجة الحق في طلب الطلاق.


#### خامساً: حق الزوجة اليوم.. ماذا تفعل إذا طال غياب زوجها؟


الشريعة أعطت للمرأة حلولاً تحفظ كرامتها:


1. *الحوار والاتفاق:* الأصل أن يتفق الزوجان قبل السفر على مدة محددة، وأن يكون هناك تواصل يومي بالهاتف والفيديو، وهذا يخفف من أثر الغياب.


2. *طلب العودة:* يحق للزوجة أن تطلب من زوجها العودة بعد 4 إلى 6 أشهر إذا تضررت نفسياً أو خافت الفتنة على نفسها.


3. *الطلاق للضرر:* إذا غاب الزوج سنة كاملة بدون عذر وبدون نفقة وبدون تواصل، ورفض العودة رغم طلب الزوجة، فيحق للقاضي أن يطلقها طلاقاً للضرر، وهذا معمول به في جميع المحاكم الشرعية.


قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "الواجب على الزوج أن يتقي الله في زوجته وألا يطيل الغيبة عنها، فإن كان لعذر فليتفق معها وليوفر لها ما يصونها ويحفظها".


#### سادساً: نصائح ذهبية لتجاوز فترة الغياب


حتى لا تصل الأمور للمحاكم، هذه نصائح للزوجين:


- للزوج: لا تجعل المال أهم من أسرتك. حدد مدة سفرك، وأرسل لزوجتك مصروفها بانتظام، وتواصل معها يومياً، وذكرها أنك تعمل من أجلها ومن أجل أولادكم.

- للزوجة: اصبري واحتسبي، واشغلي وقتك بما ينفعك من عمل أو دراسة أو عبادة، وتذكري أن زوجك يتحمل مشقة الغربة من أجلكم.

- لكليهما: لا تجعلوا الغياب يطول أكثر من 6 أشهر إلا باتفاق واضح وبرضا كامل.


#### الخلاصة


المدة الشرعية التي حددها الصحابة والفقهاء هي *أربعة أشهر كحد أدنى وستة أشهر كحد أقصى* لمن لا عذر له، وما زاد عن ذلك فلا يجوز إلا برضا الزوجة. أما القانون فيعطي سنة كاملة قبل أن يحق للزوجة طلب الطلاق.


الإسلام لم يهمل مشاعر المرأة، بل جعل لها حقاً صريحاً في أن تعيش مع زوجها في سكينة ومودة ورحمة، فقال تعالى: *"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً"* [الروم: 21].

تعليقات

التنقل السريع