القائمة الرئيسية

الصفحات

هذا الطفل عاش في دار الأيتام وأصبح من أغنى الفنانين تخطت ثروته ال 500 مليون دولار عرفتوا هو مين

 *محمد عبده - من رباط الفقراء ودار الأيتام إلى فنان العرب*


لو أردنا أن نلخص حكاية محمد عبده في جملة واحدة، لكانت: يتيم حول يتمه إلى فن. ليس مجرد مطرب سعودي، بل هو الظاهرة التي نقلت الأغنية السعودية والخليجية من المحلية الضيقة إلى العربية والعالمية، وصاحب مسيرة تجاوزت ستة عقود، لكن خلف كل هذا المجد، هناك طفولة قاسية عاشها بين الرباط الخيري ودار الأيتام.



### 1. المولد والنشأة: ابن البحار الفقير


ولد محمد بن عبده عثمان آل دهل العسيري يوم 12 يونيو 1949 في محافظة الدرب التابعة لمنطقة جازان جنوب السعودية. عائلته عائلة بسيطة جدا، والده كان بحارا فقيرا يعمل في البحر، ووالدته سلمى نصرالله.


قصة تاريخ ميلاده نفسه تروي حجم البساطة التي ولد فيها. يقول محمد عبده نفسه أن قبيلته كانت أمية، كانوا يؤرخون بالأحداث، يقال "ولد عندما دخل الملك فيصل الحديدة". لم يكن لديه أوراق ثبوتية، وعندما أراد السفر وهو في الرابعة عشرة، تمت إضافة 5 سنوات لعمره ليستطيع السفر، واختار هو يوم 15 يونيو ليكون عيد ميلاده الرسمي.


والده توفي مبكرا، الروايات تختلف بين سن الثالثة والسادسة، لكن المؤكد أنه لم يشبع من والده. مات عبده الأب وترك وراءه أرملة شابة وثلاثة أطفال: عثمان، ومحمد، وأحمد.


اضطرت الأم سلمى أن تتحمل المسؤولية وحدها. انتقلت بأبنائها من جازان إلى جدة وسكنت في حي شعبي فقير هو حي الهنداوية ثم انتقلت إلى رباط خيري معروف في حارة اليمن اسمه *رباط أبو زنادة*. والرباط هو وقف خيري يسكنه الفقراء والأرامل مجانا.


هناك عاشت سلمى معاناة حقيقية. يروي محمد عبده أن والدته كانت تعمل ليل نهار لتوفر لقمة العيش، حتى أنها كانت تعمل كمساعدة في بيوت أهل جدة أثناء أفراحهم، تحمل عباءات المدعوات. وكانت بعض العائلات الكبيرة تنفق عليهم أحيانا. 914f


يقول: "والدتي بالنسبة لي كل حياتي... كانت تعمل المستحيل من أجل توفير لقمة العيش". وهذه التربية القوية من أم صلبة هي ما صنع شخصيته.


### 2. كيف دخل دار الأيتام؟ قصة قصر شبرا


اللحظة الفارقة في حياته كانت في مكة المكرمة. تحكي الرواية التي نقلتها صحيفة الجزيرة عن محمد عبده أنه ذهب مع والدته لزيارة المسجد الحرام والطواف حول الكعبة. أمام باب إبراهيم، لفت نظره مجموعة من الأطفال يرتدون زيا يشبه الزي العسكري، يسيرون في طابور منتظم.


اقترب منهم وسألهم، فعلم أنهم طلبة دار الأيتام بمكة، وأن هذا زيهم الرسمي للمناسبات. تعلق قلب الصغير محمد بذلك الزي والنظام، وأصبح الالتحاق بتلك الدار حلمه الأكبر. 914f


في طريق العودة أخبر أمه بأمنيته. نصحها البعض أن ترسل طلبا إلى ولي العهد آنذاك الأمير فيصل بن عبد العزيز. لكن سلمى لم ترسل خطابا، بل ذهبت بنفسها. أخذت بيدها اليمنى محمد، وباليسرى أحمد، وسافرت إلى الطائف، ووقفت أمام بوابة قصر شبرا تنتظر قدوم الملك فيصل إلى مكتبه. وهناك ربت يد الأمير فيصل على كتفي اليتيمين ووعدهم بقبول طلبها. 914f


لم تمض أيام حتى طرق عمدة حي اليمن في جدة محمود عبد الصمد باب غرفتها في الرباط ليبلغها بقبول ابنيها بدار الأيتام التي افتتحت في جدة في ذلك العام بمنحة من الملك فيصل. 914f


وهكذا انتقل محمد عبده من الرباط إلى *دار الأيتام بجدة*.


### 3. الحياة داخل الدار: مدرسة الاعتماد على الذات


يصف محمد عبده حياته في دار الأيتام بجدة بأنها "واحدة من أبرز موانئ حياتي". يقول بنفسه: "فيها تعلمت كيف يمكن للطفل اليتيم أن يعتمد على ذاته ويستقل بها بعيدا عن الاتكاء على عواطف الآخرين". 914f


لم تكن الدار مجرد مأوى، كانت مدرسة داخلية صارمة. يتعلم فيها الانضباط، النظام العسكري، الاستيقاظ المبكر، الطابور، الاعتماد على النفس في غسل ملابسه وترتيب سريره. عاش يتيم وسط مئات الأيتام. وهذا ما زرع فيه تلك الشخصية القوية والخجولة في نفس الوقت.


درس في مدرسة السبيل في أحد أحياء جدة القديمة، ثم أكمل دراسته في مدرسة دار الأيتام وتخرج فيها عام 1959. وبسبب الفقر، عمل مبكرا، باع البطاطس والخبز في الحواري ليساعد أمه.


لكن حلم الأب لم يفارقه. كان والده بحارا، فأراد أن يكون مثله. التحق بالمعهد الصناعي الثانوي بجدة وتخصص في *صناعة السفن*، وحصل على دبلوم في صناعة السفن عام 1963. كان من المفترض أن يسافر ضمن بعثة سعودية إلى إيطاليا لدراسة صناعة السفن. 02f8


وكان يفترض أن يصبح بحارا، لكن البحر الذي أخذه منه أباه، أعطاه صوتا.


### 4. من ورشة السفن إلى الإذاعة: ولادة فنان


أثناء دراسته في المعهد، كان يتردد على إذاعة جدة. بدأ كمردد كورس في برنامج الأطفال الشهير "بابا عباس" عام 1960. كان يغني مع الأطفال أغاني مثل "أنا بدي أصير طيار". هناك اكتشفه الإعلامي والدبلوماسي الشهير *عباس فائق غزاوي*، وبارك هذا الاكتشاف الشاعر والأديب السعودي *طاهر زمخشري*. 02f8


وتبناه فنيا الملحن *عمر كدرس*، الذي أصبح رفيق دربه وصديق عمره. تحولت رحلة البعثة من روما إلى بيروت، من بناء السفن إلى بناء المجد الفني. بدلا من إيطاليا، سافر إلى بيروت لدراسة الموسيقى.


أغنيته الأولى كانت "سكبت دموع عيني" و "أعلل قلبي" عام 1961، ثم لحن أول عمل من تأليفه وهو في الثانية عشرة من عمره بعنوان "خلاص ضاعت أمانينا" عام 1962. لكن انطلاقته الحقيقية كانت في الستينات مع أغاني الأفراح والأسطح في حواري جدة، مثل "قالوها في الحارة" و "الرمش الطويل" التي وزعت منها 30 ألف نسخة وعرّفت الوطن العربي به.


### 5. كيف صنعت دار الأيتام فنان العرب؟


كثير من النقاد يقولون إن شجن صوت محمد عبده، تلك البحة الحزينة التي تميزه في أغاني مثل "الأماكن" و "مذهلة" و "ليلة" و "مركب الهند"، مصدرها يتمه.


الطفل الذي فقد والده، وعاش في رباط الفقراء، ونام في عنابر الأيتام، تعلم أن يحول المعاناة إلى حالة إبداعية. لم تؤثر عليه نفسيا بشكل سلبي مثل غيره، بل حولها إلى قوة.


يقول الناقد المصري في جريدة الوفد: "معاناة فنان العرب محمد عبده لم تؤثر عليه من الناحية النفسية، لكنه حولها إلى خطوة مهمة في مشواره. حالة الشجن التي يعيشها... تعكس أنه حول معاناته إلى إبداع حقيقي حتى أصبح أهم مدرسة غنائية في الخليج".


ولذلك عندما أطلق عليه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة لقب *"فنان العرب"* في السبعينات، لم يكن لقبا مجاملا، بل اعترافا بأن هذا اليتيم القادم من دار أيتام جدة بمنحة من الملك فيصل، استطاع أن يحمل الأغنية الخليجية إلى كل بيت عربي.


اليوم محمد عبده أب لعدد كبير من الأبناء، وربما هذا ما يفسر تعلقه الشديد بعائلته. فقد حرم من الأبوة مبكرا، فأراد أن يكون أبا يعوض ما فقده. ولا يزال يذكر والدته سلمى في كل لقاء ويترحم عليها، ويذكر فضل الملك فيصل الذي فتح له باب دار الأيتام التي كانت بوابته الأولى للحياة والنظام والفن.


من طفل يبيع البطاطس في أزقة جدة، إلى يتيم في رباط أبو زنادة، إلى طالب في دار الأيتام يحلم بالزي العسكري، إلى بحار لم يبحر، إلى فنان عرب يمتلك ثروة فنية تقدر بمئات الملايين - هذه هي قصة محمد عبده، دليل حي على أن اليتم ليس نهاية، بل قد يكون بداية المجد.

تعليقات

التنقل السريع