الأمن العام السوري يلقي القبض على "معراج أورال".. نهاية "جزار بانياس" وبداية مسار العدالة
في تطور أمني وقضائي هو الأبرز منذ سقوط النظام السابق، أعلن جهاز الاستخبارات العامة السورية، اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026، إلقاء القبض على علي كيالي المعروف باسم "معراج أورال"، المتهم الأول بمجزرة بانياس عام 2013، وذلك أثناء محاولته الهرب عبر الحدود.
العملية التي وصفها مراقبون بأنها ضربة قاصمة لشبكات فلول النظام البائد، جاءت بعد أيام قليلة فقط من إلقاء القبض على نائبه وذراعه اليمنى جمال طرابلسي، لتضع حداً لمسار هروب استمر لسنوات لرجل ارتبط اسمه بأبشع المجازر الطائفية في الساحل السوري.
أولاً: تفاصيل العملية الأمنية
بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية "سانا" عن جهاز الاستخبارات العامة، فإن العملية تمت أثناء محاولة كيالي الفرار عبر الحدود، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول ما إذا كان يحاول العبور نحو لبنان أو تركيا.
وأفادت مصادر متقاطعة أن توقيف أورال جاء بعد عملية رصد وتعقب استخباراتي دقيق، استفادت من معلومات انتزعت خلال التحقيق مع نائبه جمال طرابلسي الذي ألقي القبض عليه في 4 أكتوبر الجاري.
وأكدت قوى الأمن الداخلي أن طرابلسي شارك إلى جانب الميليشيا في عمليات قتالية دعماً لقوات النظام السابق، من بينها أحداث البيضا وبانياس عام 2013.
ويأتي اعتقال أورال ضمن حملة واسعة تشنها الإدارة السورية الجديدة لملاحقة المتورطين في جرائم الحرب، وهي الحملة التي بدأت منذ ديسمبر 2024 وشملت عشرات من قادة الميليشيات والضباط السابقين.
ثانياً: من هو معراج أورال؟ تصحيح للسجل
يتداول البعض أن معراج أورال كان "طياراً سابقاً في النظام السابق"، وهو توصيف غير دقيق. الحقيقة أن الرجل لم يكن يوماً طياراً عسكرياً، بل هو زعيم ميليشياوي وسياسي متطرف.
ولد معراج أورال في مدينة أنطاكيا في لواء إسكندرون جنوب تركيا عام 1956، لعائلة علوية عربية. بدأ نشاطه المسلح في سبعينيات القرن الماضي ضد الحكومة التركية ضمن منظمة يسارية متطرفة، قبل أن يفر إلى سوريا.
في سوريا، وجد رعاية خاصة من جميل الأسد، شقيق حافظ الأسد، حيث حصل على الجنسية السورية في ثمانينيات القرن الماضي ليُعرف باسم "علي كيالي". وارتبط منذ ذلك الحين بالأجهزة الأمنية، وأسس ما سمّاه "جبهة تحرير لواء إسكندرون" ثم "المقاومة السورية لتحرير لواء إسكندرون"، التي تحولت لاحقاً إلى ميليشيا طائفية مسلحة قاتلت إلى جانب النظام.
وينحدر كيالي من لواء إسكندرون جنوب تركيا، ويرتبط اسمه والمجموعة التي تزعمها باتهامات بالضلوع في مجازر وانتهاكات بحق المدنيين خلال سنوات الصراع في سوريا.
ثالثاً: السجل الدموي.. من الريحانية إلى بانياس
لا يمكن فهم خطورة اعتقال معراج أورال دون استعراض سجله الذي جعله مطلوباً في دولتين.
1. على المستوى التركي: أدرجت تركيا كيالي على القائمة الحمراء للمطلوبين بسبب تورطه في تفجير الريحانية عام 2013، وخصصت مكافأة لمن يسلمه، حيث يُعتبر "جزار بانياس" لمشاركته في قتل مئات المدنيين. تفجيرا الريحانية اللذان وقعا في مايو 2013 في ولاية هاتاي وأسفرا عن مقتل 53 شخصاً، كانا نقطة تحول في اعتبار أنقرة لأورال تهديداً للأمن القومي التركي.
2. على المستوى السوري: شكّل كيالي ميليشيا مسلحة شاركت إلى جانب قوات النظام البائد في قمع الشعب السوري خلال سنوات الثورة، وارتكبت مجازر عدة في مناطق مختلفة، أبرزها مجزرتا البيضا ورأس النبع في بانياس عام 2013.
مجزرتا البيضا ورأس النبع في 2 و3 مايو 2013، راح ضحيتهما أكثر من 200 مدني وفق توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بينهم نساء وأطفال، وتمت بعمليات إعدام ميداني وحرق للجثث والمنازل. وظهر أورال في تسجيلات مصورة بعد المجزرة وهو يتباهى بما أسماه "تطهير بانياس".
رابعاً: الدلالات الأمنية والسياسية للاعتقال
للقبض على معراج أورال أبعاد تتجاوز كونه اعتقالاً جنائياً لشخص واحد:
1. تفكيك منظومة الفلول: يؤكد اعتقال أورال بعد نائبه أن الاستخبارات العامة تمتلك اليوم خريطة كاملة لشبكات الميليشيات التي عملت كجيش رديف للنظام. قائد ما تسمى "المقاومة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون" سابقاً لم يكن يعمل وحده، بل كان يدير شبكة تمويل وتسليح وتجنيد تمتد بين الساحل والحدود اللبنانية.
2. رسالة للداخل والخارج: داخلياً، اعتبرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن اعتقال معراج أورال يعيد مجزرتي بانياس إلى مسار المساءلة القضائية. وخارجياً، فإن تسليم أو محاكمة شخص مطلوب على القائمة الحمراء التركية يمثل ورقة تفاوضية قوية للإدارة السورية الجديدة مع أنقرة.
3. كشف هيكل القيادة: التحقيق مع كيالي سيساعد على كشف هيكل المجموعة وتسلسل القيادة وعلاقة المشتبه فيهم بالعمليات، مع التأكيد أن المسؤولية الجنائية لا تسقط بالتقادم، وهو ما يفتح الباب لملاحقة ضباط كبار في الفرقة الرابعة والأمن العسكري كانوا ينسقون معه.
خامساً: ردود الفعل وماذا بعد؟
في بانياس، عمت الاحتفالات فور إعلان النبأ. وذكرت تقارير أن الأهالي والناجين من مجزرة البيضا خرجوا إلى الشوارع، مستعيدين ذكريات المجزرة التي لم تغب عن ذاكرتهم.
أما على الصعيد الحقوقي، فقد طالبت منظمات سورية ودولية بضرورة أن تتم محاكمة كيالي في بانياس نفسها، حيث ارتكبت الجرائم، وأن تكون المحاكمة علنية وموثقة، لضمان عدم إفلاته من العقاب عبر صفقات سياسية.
ويواجه أورال اتهامات تتعلق بالمشاركة في مجازر البيضا وبانياس عام 2013، إلى جانب اتهامات تركية بالارتباط بتفجيرات مدينة الريحانية في العام نفسه.
ومن المتوقع أن يتم تقديمه إلى محكمة خاصة بجرائم الحرب، والتي تعمل الإدارة الجديدة على تأسيسها بالتعاون مع خبراء دوليين، أو إلى محكمة الجنايات العادية بتهم القتل العمد والإرهاب والانتماء لميليشيا مسلحة.
إن القبض على "جزار بانياس" ليس نهاية القصة، بل هو بدايتها. فالرجل يمثل الصندوق الأسود لمرحلة كاملة من العنف الطائفي الممنهج الذي رعاه النظام السابق عبر ميليشيات ظل. ومحاكمته العادلة ستكون الاختبار الحقيقي لجدية الدولة السورية الجديدة في الانتقال من منطق الثأر إلى منطق العدالة، ومن زمن الإفلات من العقاب إلى زمن لا ينسى فيه الضحايا.

تعليقات
إرسال تعليق