القائمة الرئيسية

الصفحات

 *قوى الأمن العام السوري الجديد - الهيكلة الجديدة والعقيدة الأمنية بعد سقوط النظام*


بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة إعادة بناء المنظومة الأمنية من الصفر. المنظومة الجديدة التي تقودها وزارة الداخلية ومكتب الأمن الوطني، لا تهدف فقط لسد الفراغ الأمني، بل لقطع نهائي مع إرث الأجهزة المتعددة والمتداخلة التي كانت تحكم سوريا بعقلية الفروع الأمنية.


هذا هو الشرح الاحترافي لخريطة الأمن العام الجديد في سوريا 2026.



### 1. من تعدد الأجهزة إلى جهاز موحد: فلسفة الهيكلة الجديدة


النظام السابق كان يملك أكثر من 15 جهازاً أمنياً - أمن الدولة، الأمن السياسي، المخابرات الجوية، الفرقة الرابعة أمنياً، وكل جهاز له سجونه وفروعه.


التوجه الجديد الذي كشفته مصادر أمنية لصحيفة المدن ويجري تطبيقه حالياً، يقوم على 3 مبادئ:


*أولاً: دمج كل الأجهزة في مرجعية واحدة.* تم إنشاء *مكتب الأمن الوطني* في 19 تموز / يوليو 2026 ليكون الجهة العليا التي تشرف على كل السياسات الأمنية وتنسق بين الأجهزة. يرأس المكتب المهندس *أنس خطاب* وزير الداخلية، وهو ما يعطي مركزية للقرار بعد أن كان القرار موزعاً بين 4 رؤساء أجهزة.


*ثانياً: فصل الشرطة عن الاستخبارات.* وزارة الداخلية الجديدة ستصبح مسؤولة فقط عن *قوى الأمن الداخلي - الشرطة* بكل اختصاصاتها - شرطة المدن، المرور، النجدة، حرس الحدود. بينما المهام الاستخباراتية السيادية انتقلت بالكامل لمكتب الأمن الوطني وجهاز الاستخبارات العامة.


*ثالثاً: إنهاء فكرة "الفرع".* في خطوة غير مسبوقة، قام رئيس جهاز الاستخبارات العامة الجديد *اللواء عبد القادر الطحان* الذي خلف حسين السلامة، بإلغاء حوالي *27 مديرية* كانت تابعة للجهاز القديم، وتقسيم الجهاز إلى *7 مديريات تخصصية فقط*. الهدف المعلن هو القضاء على مراكز القوة والفساد والبيروقراطية التي كانت تسمح لكل مدير فرع بأن يصبح دولة داخل الدولة.


### 2. خريطة القيادة الجديدة - من يقود الأمن الآن؟


حسب حزمة التعيينات التي أصدرها الرئيس أحمد الشرع في يوليو 2026:


- *أنس خطاب:* رئيساً لمكتب الأمن الوطني + وزيراً للداخلية. هو المهندس الأساسي للهيكلة الجديدة، قادم من تجربة حكومة الإنقاذ في إدلب التي كانت نموذجاً مصغراً لهذه الفكرة.

- *اللواء عبد القادر الطحان:* رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة. يتولى الملفات السيادية الكبرى: الاختراقات الخارجية، تأمين الحدود، اختراق خلايا داعش، وتهريب السلاح.

- *حسين السلامة:* معاوناً لرئيس مكتب الأمن الوطني، بعد أن كان رئيساً للاستخبارات.

- *العميد ملهم الشلتوت / الشنتوت:* معاوناً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية، وهو المسؤول الميداني عن انتشار الأمن الداخلي في المحافظات.

- *العميد عبد العزيز هلال الأحمد:* كان قائداً للأمن الداخلي في اللاذقية ثم انتقل لموقع آخر، ونفت مصادر أمنية رسمية ما أشيع عن إنشاء "جهاز أمن العاصمة" برئاسته.


هذا المثلث - مكتب الأمن الوطني، الاستخبارات العامة، الأمن الداخلي - هو ما يسمى الآن بـ "المثلث الأمني الجديد".


### 3. ماذا يفعل الأمن العام على الأرض؟ 3 مهام أساسية


على عكس المفهوم القديم، قوى الأمن الداخلي اليوم لا تعمل كـ "مخابرات". التوزيع الجديد واضح:


*المهمة الأولى: إنفاذ القانون ومكافحة بقايا النظام.*

العمليات الكبرى ضد أركان النظام السابق وشبيحته لا ينفذها جهاز المخابرات، بل تنفذها *قوى الأمن الداخلي بالاشتراك مع إدارة مكافحة الإرهاب* التي تأسست في 24 مايو 2025. المتحدث باسم الداخلية نور الدين البابا كشف في يونيو 2026 أن هذه الإدارة وحدها لديها حوالي 6000 موقوف من ضباط وعناصر النظام البائد. هذا التقديم كعمل شرطي وليس كتصفية مخابراتية، يعطيه شرعية قانونية أمام الشعب.


*المهمة الثانية: ضبط الأمن في المناطق المحررة حديثاً.*

خير مثال هو الحسكة. بعد اتفاق 10 مارس 2025 واتفاق يناير 2026 بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، بدأت قوى الأمن الداخلي تدخل الحسكة والقامشلي وتتسلم مقار قسد. تم دمج حوالي *9000 عنصر من الأسايش* ضمن المؤسسات الأمنية الجديدة، ودمج عناصر قسد في 3 ألوية ضمن الجيش السوري. دخول الأمن العام هنا ليس مجرد انتشار، بل هو عودة وظائف الدولة.


*المهمة الثالثة: مكافحة الإرهاب والتهريب.*

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط شحنات سلاح على الحدود السورية - العراقية كانت في طريقها لحزب الله، وشبكات كبتاغون، وخلايا داعش في البادية. هذه الملفات يتقاسمها الأمن الداخلي ميدانياً والاستخبارات العامة معلوماتياً تحت تنسيق مكتب الأمن الوطني.


### 4. ما الفرق بين الأمن العام الجديد وأمن النظام السابق؟


الفرق ليس فقط في الأسماء، بل في العقيدة:


1. *من الولاء للشخص إلى الولاء للقانون:* الأجهزة القديمة كانت تحمي النظام. الأجهزة الجديدة مهمتها المعلنة حماية المواطن والدولة.

2. *من السرية إلى العلنية النسبية:* في السابق لا تعرف اسم رئيس فرع. الآن يتم الإعلان عن التعيينات والمؤتمرات الصحفية وعدد الموقوفين بشكل شبه يومي.

3. *من القمع إلى التخصص:* لم يعد هناك جهاز واحد يفعل كل شيء - يعتقل ويحقق ويحكم. الآن جهاز يجمع المعلومة، وجهاز ينفذ بأمر قضائي، وقضاء يحاسب.


### التحديات القادمة


رغم النجاحات، التحديات كبيرة: انتشار السلاح الفردي، وجود تشكيلات محلية وعشائرية في دير الزور والسويداء، بطء دمج الفصائل، وخطر الخلايا النائمة لداعش وبقايا النظام التي نفذت تفجيرات في دمشق وحلب خلال زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون.


نجاح التجربة لن يقاس بعدد الاعتقالات، بل بقدرة الدولة على إخضاع كل الإجراءات الأمنية لرقابة قضائية صارمة، حتى لا تتحول الحملة الأمنية إلى تصفية حسابات، وهو ما أكدت عليه قيادة مكتب الأمن الوطني.


الأمن العام الجديد في سوريا اليوم هو مشروع بناء دولة، وليس مجرد جهاز بديل.

تعليقات

التنقل السريع