*رجل يأكل شاورما وهمبرجر - حكاية الجوع الأخير*
هو لا يأكل ليشبع. هو يأكل ليتذكر.
يجلس كل يوم في نفس المكان، على كرسي بلاستيكي مهترئ في زاوية شارع في إسطنبول، بورصة، القاهرة، لا يهم. المدينة تتغير لكن الطاولة واحدة. أمامه شيئان لا يجتمعان في قاموس الطهاة المحترفين، لكنهما يجتمعان أمامه بقداسة غريبة: لفافة شاورما دجاج تلمع بالدهن والثومية، وقطعة همبرجر عملاقة بخبزها الطري وجبنتها الذائبة.
يبدأ بالشاورما دائماً.
لماذا؟ سألته مرة.
قال: "الشاورما هي الماضي، الهمبرجر هو الحاضر. يجب أن أمر على الماضي أولاً لأستطيع ابتلاع الحاضر."
الرجل في الخمسينيات. كرشه ليس من الأكل، بل من الجلوس الطويل. لحيته خفيفة، وعيناه فيهما تعب رجل كان يعمل شيئاً مهماً ثم توقف فجأة. كان مهندساً، أو مدرساً، أو سائق تاكسي. لم يخبرني. لكنه يأكل بطريقة لا تشبه الجوعى.
يمسك الشاورما بيدين. لا يأكلها كالساندويتش. يفتحها. ينظر إليها من الداخل كأنه يقرأ خريطة. الدجاج المقطع رفيعاً، المخلل، البطاطس المقلية، الثومية البيضاء. يشمها أولاً. شم عميق. يقول إن رائحة الشاورما هي رائحة الشارع العربي كله. هي رائحة دمشق في 1998 عندما كان طالباً، ورائحة بيروت في 2006 عندما كان يهرب، ورائحة القاهرة في 2011 عندما كان يهتف. الشاورما بالنسبة له ليست لحماً يدور على سيخ، هي ذاكرة تدور.
يأخذ أول قضمة ببطء شديد. يغمض عينيه. تسمع صوت القرمشة. الخبز العربي الرقيق يصدر صوتاً مختلفاً عن خبز الهمبرجر. صوت ورق. يقول: "الشاورما لا تكذب. إذا كان اللحم قديماً ستعرف. إذا كان المعلم بخيلاً بالثومية ستعرف. هي مثل المرأة الشرقية، صريحة، حارة، لا تجامل."
يأكل نصفها ويترك النصف الآخر. لا يرميه. يضعه جانباً بدقة، كأنه يحترم ما تبقى.
ثم ينتقل للهمبرجر.
وهنا تتغير شخصيته تماماً. إذا كانت الشاورما طقساً حزيناً، فالهمبرجر طقس ممتع، صاخب، أمريكي.
يمسك الهمبرجر بيد واحدة ويرفعه عالياً. الجبنة تسيل، الكاتشب يخرج من الجوانب، الخس يقع. يضحك. يقول: "هذا لا يحترم أحداً. هذا ولد شقي."
يأخذ قضمة كبيرة، كبيرة جداً، حتى يمتلئ فمه ولا يستطيع الكلام. وهذه هي النقطة. هو يريد ألا يتكلم. الشاورما تجعله يتكلم عن الماضي، الهمبرجر يجعله يسكت عن الحاضر.
الهمبرجر بالنسبة له هو ابنه الذي يعيش في ألمانيا. هو الأنترنت. هو التيك توك. هو السرعة. هو كل شيء يأتي جاهزاً، لذيذاً، سريعاً، وينتهي سريعاً. لا رائحة له مثل الشاورما، له طعم فقط. الشاورما رائحة وذكرى، الهمبرجر طعم ولحظة.
سألته يوماً: لماذا لا تختار واحداً فقط؟ لماذا تدفع ثمن وجبتين وأنت تستطيع أن تشبع بواحدة؟
نظر إلي كأنني سألت سؤالاً غبياً جداً.
قال: "يا ابني، أنا رجل عربي يعيش في عالم أمريكي. إذا أكلت شاورما فقط، سأموت من الحنين. وإذا أكلت همبرجر فقط، سأموت من النسيان. أنا آكل الاثنين لأبقى في الوسط، على قيد الحياة."
وهذه هي الفلسفة كلها.
الرجل ليس جائعاً للطعام. الرجل جائع للتوازن. نحن جيل كامل واقف بين سيخ الشاورما الذي يدور ببطء منذ مئة سنة، وبين آلة الهمبرجر التي تطبخ 100 قطعة في الدقيقة. نحن لا نعرف هل نحن شرقيون أم غربيون، هل نحن نريد الثومية أم المايونيز، هل نريد أن نأكل بأيدينا أم بالشوكة والسكين.
هو وجد الحل: يأكل الاثنين.
يرتشف بعد ذلك رشفة بيبسي دافئة. يمسح يديه بمنديل ورقي رخيص. يترك نصف الشاورما ونصف الهمبرجر على الطاولة. يقوم. يدفع. يمشي.
سألته: لماذا تترك النصف؟
قال: "لأترك شيئاً للغد. الجائع الحقيقي لا ينهي كل شيء. الجائع الحقيقي يترك دليلاً أنه سيعود."
ومنذ ذلك اليوم وأنا أفهم لماذا مطعمه لا يغلق أبداً. لأن هناك دائماً رجل مثله، يجلس في المنتصف بين عالمين، يأكل شاورما وهمبرجر، لا ليشبع، بل ليتذكر أنه لا يزال قادراً على التذوق.
الجوع الأخير ليس في المعدة. الجوع الأخير في الهوية. وهذا الرجل، بهذه الوجبة المزدوجة المتناقضة، يشبع هويته كل يوم بدولارين ونصف.
ويعود غداً.

تعليقات
إرسال تعليق