في رحلة شهر العسل، البحر دوّخني، فرجعت للكابينة أدور على دوا يهدّي معدتي.
ماكنتش أعرف إن رجوعي بدري هو اللي هينقذ حياتي.
وأنا طالعة آخد الدوا، سمعت جوزي بيتكلم مع أهله تحت، وسمعته بيقول بمنتهى البرود:
— الليلة دي بس… نزقّها في البحر. نرجع مصر، ناخد الـ٣٠٠ مليون جنيه اللي سايبهم أبوها ليها، وأنا أعيش باقي عمري مع عشيقتي.
نسمة البحر في الغردقة كان المفروض تبقى بداية أجمل أيام حياتي.
لكن في اليوم التالت من شهر العسل، نفس النسمة بقت بالنسبالي كأنها حبل بيتشد حوالين رقبتي.
اليخت الفخم اللي كنا راكبينه، واللي تمنه بالملايين، كان هدية جواز من أبويا… رجل أعمال كبير، طول عمره بيحاول يضمنلي حياة مريحة وما أحتاجش لحد.
لكن في اللحظة دي، اليخت ما بقاش هدية.
بقى سجن.
من أول يوم وأنا حاسة بإرهاق غريب.
مش مجرد دوخة بحر عادية.
كنت بصحى مكسّرة، جسمي تقيل، عيني مش قادرة تفتح، وتركيزي شبه معدوم.
كل ما أقول لجوزي، كان يطبطب عليّا ويقول:
— معلش يا حبيبتي، دي دوخة البحر… أول كام يوم وهتتعودي.
كل ليلة كان يجيبلي قرصين صغيرين ويقول:
— خدي دول وهتبقي كويسة.
وأنا، من غبائي وثقت فيه.
لحد عصر اليوم التالت.
صحيت فجأة وأنا حاسة إن دماغي تقيلة بشكل مرعب.
جسمي كان كأنه مش بتاعي.
حاولت أقوم من السرير، رجلي خانتني، فمسكت في الحيطة وسندت نفسي لحد ما خرجت من الكابينة.
ماكنتش عارفة أنا رايحة فين.
كنت بس عايزة أوصل لصيدلية اليخت أو أي حد من الطاقم وأسأله عن دوا للدوخة.
ولما وصلت عند السلم اللي نازل للدور اللي تحت، الدنيا لفت بيا.
اتسندت على سور السلم النحاسي، وخدت نفس طويل.
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت كوبايات بتخبط في بعض.
وبعدين ضحكة.
ضحكة عادية جدًا…
بس الكلام اللي بعدها جمّد الدم في عروقي.
— طيب يا مروان، الجرعة ماشية معاه؟
كان صوت راجل كبير.
عرفته فورًا.
ده صوت حمايا، حمدي باشا.
جوزي رد بمنتهى الهدوء:
— متقلقش يا بابا. قرصين كل ليلة، وكمان زوّدت شوية في الشوربة اللي أكلتها من شوية.
اتسمرت مكاني.
حمدي سأل:
— والنتيجة؟
مروان ضحك ضحكة واطية وقال:
— قبل نص الليل مش هتقدر حتى تفتح عينيها.
قلبي بدأ يخبط بعنف.
حاولت أتنفس من غير ما أطلع صوت.
وبعدين سمعت صوت حماتي، نوال.
الست اللي كانت من يوم جوازي بتقوللي:
"إنتي بقيتي بنتي يا حبيبتي."
قالت بمنتهى الهدوء:
— يعني ننفذ النهارده؟
مروان رد:
— النهارده.
سكت ثانية، وبعدين كمل:
— بعد نص الليل الجو هيقلب، والبحر هيهيج. الطاقم كله هيبقى جوه.
هقولها تطلع معايا على مؤخرة اليخت تاخد شوية هوا.
وبعدين…
دفعة صغيرة.
والبحر يتكفل بالباقي.
إيدي اتجمدت على السور.
كنت حاسة إني لو سيبت إيدي لحظة هقع.
لكن اللي سمعته بعد كده كان أسوأ.
حمايا ما سألش ابنه إذا كان متأكد.
ولا سأله هيعمل إيه لو اتكشف.
كل اللي سأله كان:
— والأوراق؟ فلوس أبوها؟
ضحكة مروان وصلتلي واضحة.
— خلصت.
— يعني إيه خلصت؟
— أخدت منها التوكيل قبل الجواز، وخليتها تمضي وهي فاكرة إني بظبطلها أمورها المالية.
سكت شوية، وبعدين قال:
— أول ما الشرطة تعلن إنها اختفت في البحر ومفيش جثة، الـ٣٠٠ مليون اللي باسمها هيتحولوا للحسابات اللي بره.
حماتي ضحكت وقالت:
— والله البنت دي غلبانة أوي. مصدقة إنها اتجوزت فارس أحلامها!
حاولت أمنع نفسي من البكاء.
لكن الكلام اللي جاي خلاني أحس إن روحي بتتسحب من جسمي.
حماتي سألت:
— وأبوها وأمها؟
رد مروان بمنتهى البرود:
— دول كمان مش هيكملوا الأسبوع.
سكتت لحظة.
وبعدين قال:
— الأسبوع الجاي مسافرين العين السخنة، وبعدها طالعين على طريق الجبل.
رجالتي هيظبطوا العربية.
فرامل تضرب في طريق نازل…
حادثة شكلها طبيعي…
والعيلة كلها تخلص مرة واحدة.
حطيت إيدي على بوقي بسرعة عشان أمنع نفسي من الصريخ.
دموعي نزلت غصب عني.
أنا ما كنتش سامعة مجرد خطة لقتلي أنا.
دول كانوا بيخططوا يمسحوا عيلتي كلها من الدنيا.
والأبشع؟
إنهم كانوا بيشربوا الشمبانيا اللي أبويا جابها.
على يخت أبويا.
وبفلوس أبويا.
وبيحتفلوا إنهم هيقتلوا بنته ويسرقوا ثروته.
وأنا؟
كنت واقفة لوحدي.
في نص البحر.
وسط ناس كنت فاكرة إنهم عيلتي.
وفجأة حسيت بالدوخة بتزيد.
الدواء اللي كان بيديهولي كل ليلة بدأ يغلبني تاني.
الحركة بقت تقيلة.
عيني بدأت تقفل.
الدنيا قدامي بقت ضباب.
ولحظتها فهمت إن الوقت بيخلص.
كان فاضل كام ساعة على نص الليل.
ماينفعش أواجه مروان وأهله وأنا بالكاد قادرة أقف.
وماينفعش أرجع للكابينة وأتصرف كأني ما سمعتش حاجة…
لأن أول غلطة هعملها ممكن تكون آخر غلطة في حياتي.
لازم أفضل عايشة.
لازم أتصرف.
ولازم أخليهم يفتكروا إن خطتهم ماشية زي ما هما عايزين.
مسحت دموعي بسرعة.
وخدت نفس ببطء.
وبصيت ناحية الممر.
سمعت صوت خطوات بتقرب.
حد كان طالع على السلم.
اتجمدت مكاني.
لو مروان طلع دلوقتي وشافني…
انتهيت.
لميت كل قوتي، وسيبت السور، وبدأت أمشي ناحية الكابينة.
خطوة…
وراها خطوة…
ورجلي بتترعش تحت جسمي.
لكن في دماغي كلمة واحدة بس كانت بتتكرر:
لازم أعيش.
وقبل ما أوصل للكابينة بثواني، سمعت صوت مروان من ورايا:
— حبيبتي؟
وقفت.
ما لفيتش.
— إنتي كويسة؟
بلعت ريقي، وطلعت ابتسامة بالعافية.
لأني في اللحظة دي فهمت حاجة أخطر من كل اللي سمعته…
أنا مش بس لازم أنجو منهم… أنا لازم أخليهم يندموا إنهم فكروا يقربوا مني أصلًا....
ما لفتش.
لو لفيت وشاف عيني وارمة من العياط هيعرف اني سمعت كل حاجة.
عملت نفسي بدوخ وسندت على الحيطة وقلت بصوت تعبان:
- اه.. دايخة اوي يا مروان.. كنت بدور عليك..
في ثانية كان قدامي، ماسك دراعي، وبيبتسم نفس الابتسامة اللي كنت بموت فيها من اسبوع.
بس دلوقتي ابتسامته كانت مرعبة.. باردة.. ميته.
قالي: يا حبيبتي مالك؟ تعالي ادخلك ترتاحي.
ودخلني الكابينة، ونيمتي على السرير، وطلع القرصين إياهم من جيبه وكوباية مية.
- خدي دول هترتاحي خالص.
بصيت للبرشام في ايده.. ده اللي كان بيموتني بالبطيء كل يوم.
اخدتهم منه، حطيتهم تحت لساني، وعملت اني بلعتهم، وهو واقف يطبطب عليا.
اول ما خرج وقفل الباب، تفّيتهم في منديل وخبيته في المخدة، ودماغي شغالة بسرعة الصاروخ.
الموبايل مفيهوش شبكة في نص البحر.
اليخت فيه 4 من طاقم أبويا.. بس دول لو اتكلمت معاهم وحمايا حس، ممكن يرموهم هما كمان في البحر.
مش هينفع اواجهه.
لازم اخليه هو اللي يفتكر انه انتصر.
قمت بالعافية، جبت موبايلي، فتحت تسجيل الصوت، وحطيته يسجل، ودخلت الحمام وقفلت على نفسي.
اتصلت ببابا.. الشبكة بتقطع.
- بابا.. الو.. بابا..
لقط مرة واحدة:
- ايوة يا حبيبة بابا؟ مال صوتك؟
مقدرتش اعيط عشان مروان برا، وشوشت بسرعة وانا بترعش:
- بابا اسمعني كويس وماتقاطعنيش.. مروان هيقتلني الليلة.. سامعني؟ هيزقني في البحر بعد نص الليل وهياخد فلوسي بالتوكيل اللي مضاني عليه.. وهما هيقتلوكم انت وماما الاسبوع الجاي في طريق العين السخنة.. فرامل العربية.. بابا ابوس ايدك متسافرش.. بلغ خالو.. خالو في المخابرات البحرية.. خليه يتصرف.. انا هحاول اعيش للصبح.. متتصلش بيا.. انا هبعتلك لوكيشن..
الخط قطع.
مسحت المكالمة، ومسحت دموعي، وخرجت وانا بترعش، ونمت على السرير وعملت نفسي نايمة ومخدرة تماماً.
الساعة 11 ونص بالليل..
الباب اتفتح.
سمعت صوت مروان وحمايا وحماتي داخلين.
حماتي بتقول: نايمة خالص اهي.. زي القتيلة.
مروان قرب مني وهزني: حبيبتي.. حبيبتي.. اصحي.. تعالي نطلع ناخد شوية هوا في البحر هتفوقي.
مردتش. فتحت عيني نص فتحة كأني مش قادرة.
شالني.. هو وحمايا.. حرفياً شايلني وانا جسمي سايب كأني متخدرة.
الهوا برا كان جامد.. البحر هايج فعلاً.. الضلمة كحل.. واليخت بيتهز.
وقفوني عند سور المؤخرة.
حمايا قال: يلا خلص.
هنا.. عملت اخر حاجة يتوقعوها.
بدل ما ازقهم.. سبت نفسي اقع على الأرض مرة واحدة وصرخت بأعلى صوت عندي:
- الحقققووووني.. يا كابتن حساام.. الحقققوني عايزين يرمونيي!!!
الطاقم كله كان جوه المطبخ، طلعوا يجروا.
الكابتن حسام اللي بيشتغل مع ابويا بقاله 15 سنة شاف المنظر.. انا على الأرض ومروان ماسكني من دراعي بيحاول يزقني.
الكابتن مسكه من قفاه وزقه بعيد.
مروان اتجنن.. طلع مطواة صغيرة من جيبه وحاول يهجم عليا.
بس المركب اتهز هزة جامدة مرة واحدة.. موجة عالية ضربت اليخت.. فوقع هو واتزحلق.
في اللحظة دي.. من بعيد.. نور قوي جداً ضرب في اليخت.
صوت مايك:
- هنا خفر السواحل المصري.. الجميع يثبت مكانه.. ويرفع يده..
انا مكنتش بصدق.
بابا لحق يبلغ.. وخالو بعت لنش خفر السواحل اللي كان بيعمل مناورة قريبة من الغردقة.
اللانش قرب والظباط طلعوا اليخت في ثواني.
مروان كان بيحاول يهرب ينط في البحر.. جابوه من قفاه.
حمايا وحماتي كانوا بيصوتوا: احنا معملناش حاجة.. دي بتتبلا علينا.
طلعت المنديل اللي فيه البرشام من جيب البيجاما واديته للظابط وقلتله كل حاجة.. بالحرف.. والتسجيل اللي كنت مشغلاه في الكابينة سجل جملتهم وهما بيقولوا "دفعة صغيرة والبحر يتكفل بالباقي".
اتقبض عليهم في نص البحر.
رجعوني على اللانش وانا متغطية ببطانية وبترعش.. مش من البرد.. من الصدمة.
تاني يوم الصبح كنت في بيت ابويا في القاهرة.. في حضنه هو وماما.. بحكي وبعيط.
التحقيقات كشفت كل حاجة..
البرشام كان منوم قوي بيحطه في الاكل بجرعات كبيرة.
التوكيل اللي مضاني عليه طلع توكيل عام يبيع كل حاجة باسمي.. ابويا لغاه في نفس اليوم.
وحادثة طريق السخنة طلعت مدبرة فعلاً.. لقوا الميكانيكي اللي كان هيبوظ فرامل عربية ابويا واعترف.
مروان واهله خدوا 25 سنة سجن.. شروع في قتل مع سبق الاصرار ومحاولة قتل عائلة كاملة والاستيلاء على اموال.
وانا؟
اطلقت.. ورجعت اكمل دراسة الماجستير اللي كنت مأجلاها عشان الجواز.
واليخت؟
بابا باعه.. وجاب بفلوسه وحدة عناية مركزة كاملة لمستشفى ابو الريش للاطفال باسمي.
عشان يفضل شاهد ان بنته ماتت واتولدت من جديد في نفس البحر.
*الدرس اللي اتعلمته:*
مفيش راجل يستاهل انك تمضي ورقة وانتي مش قارياها كويس.. ومفيش حب يخليكي تصدقي ان الدوخة والتعب طول الوقت حاجة عادية.. ومفيش عيلة تدخليها وانتي مش عارفة اصلها وفصلها.
الـ 300 مليون اللي كانوا عايزين يقتلوني عشانهم.. مراحوش.. بس انا كنت هروح ببلاش لو كنت بلعت القرصين الليلة دي.
تعليقات
إرسال تعليق