القائمة الرئيسية

الصفحات

في ليلة كان من المفترض أن تكون عادية

 في ليلة كان من المفترض أن تكون عادية


لم تكن تتوقع أن ينتهي اليوم هكذا. لم تكن تتخيل أن الشموع التي أضاءتها بعناية، والطاولة التي رتبتها لساعتين، ستظل مشتعلة وحدها.


كانت تحتفل. تحتفل بعيد زواجهما الثالث. ثلاث سنوات مرت كأنها طرفة عين، بكل ما فيها من ضحك وخصام ومصالحة، من ضيق اتسع، ومن أحلام صغيرة كبرت.


في الصباح استيقظت باكراً. ذهبت إلى السوق. اشترت ورداً أحمر، وكعكة صغيرة كُتب عليها بخط متعرج "3 سنوات حب". اشترت قميصه المفضل، القميص الأزرق الذي يقول دائماً إنه يجعله يبدو أصغر. عادت إلى البيت، نظفته كأنه بيت جديد، رشت عطره المفضل في الممر، وشغلت تلك الأغنية القديمة التي رقصا عليها أول مرة.


كان هو في العمل، يرسل لها رسائل متقطعة: "تأخرت شوية"، "الشارع زحمة"، "حضري لي الشاي". وهي تبتسم وترد: "لا تتأخر، عندنا موعد مهم". لم تقل له ما هو الموعد. أرادت أن تفاجئه.


في الساعة السابعة والنصف، سمعت صوت المفتاح في الباب. وقف قلبها. أطفأت النور بسرعة، أشعلت الشموع. دخل هو متعباً، يحمل كيساً فيه علبة عصير، ووجهه مرهق من يوم طويل. وما إن فتح الباب ورأى الطاولة والورد والظلام المضيء بالشموع، حتى تجمد في مكانه.


قال: "إيه ده؟"


قالت وهي تضحك، والدموع تكاد تلمع في عينيها: "كل سنة وإحنا مع بعض".



اقترب منها، احتضنها بقوة. قال: "نسيت والله. نسيت من التعب. سامحيني". قالت: "أنا فاكرة عننا إحنا الاتنين".


جلسا. أكل القليل، لأنه كان قد أكل سندوتشاً سريعاً في العمل، لكنه تظاهر أنه جائع جداً من أجلها. ضحكا على صورهما القديمة في الهاتف. تذكرا أول يوم زواج، عندما احترق الأرز وناما بدون عشاء. تذكرا كيف كانا يعدان الأيام حتى يشتروا ثلاجة جديدة. كانت ليلة دافئة، ليلة تشبههما.


ثم طرق الباب.


طرق قوي، رسمي، ليس طرق جار ولا طرق صديق. ثلاث طرقات متتالية، صلبة.


نظر كل منهما للآخر. الساعة الآن الثامنة واربعون دقيقة. من يأتي في هذا الوقت؟


قام هو ليفتح، وهو ما زال يمضغ. فتح الباب، فوجد اثنين بزي الشرطة. وجهاهما جامدان، لا يحملان أي تعبير.


قال أحدهم: "الأستاذ فلان؟"


قال: "أيوه أنا".


قال الشرطي: "معانا أمر بإحضارك. عليك حكم قديم".


سقطت الشوكة من يدها في المطبخ. صوتها كان عالياً رغم خفته.


حكم؟ زوجها؟ الرجل الذي يخاف أن يقطع الإشارة حتى لو كان الشارع فارغاً في الثالثة فجراً؟ الرجل الذي يربط حزام الأمان حتى لو كان سيحرك السيارة مترين فقط؟


تقدمت وهي ترتجف: "حكم إيه؟ في إيه؟"


أخرج الشرطي ورقة صغيرة، أو هاتفاً يظهر عليه بيانات. قال ببرود موظف أنهى يومه ويريد العودة لبيته: "مخالفة سير قديمة. عدم دفع غرامة. اتحولت لقضية. فيها حبس 24 ساعة أو دفع وكفالة. لازم ييجي معانا دلوقتي القسم يخلصها".


مخالفة سير.


في ليلة عيد زواجهما، جاءت الشرطة لتأخذ زوجها بسبب مخالفة سير قديمة، ربما من سنتين، ربما نسيها، ربما لم تصله أصلاً.


حاولت أن تشرح: "حضرتك إحنا بنحتفل... ممكن الصبح؟ ممكن يدفعها دلوقتي؟"


قال الشرطي الآخر بنبرة أقل حدة لكنها حاسمة: "يا مدام ده سيستم. الاسم بيظهر في الكمين. لو ما خدناهوش دلوقتي هيفضل مطلوب. هي ساعة في القسم ويدفع ويخرج. روتين".


روتين. كلمة ثقيلة. روتين يحطم ليلة كاملة بناها شخصان بشموع وكعكة.


نظر إليها زوجها. كان محرجاً أكثر منه خائفاً. محرج لأنه يتركها في هذا المشهد. قال لها: "ثانية واحدة هلبس الكوتشي وهاجي. متقلقيش".


لبس حذاءه بسرعة فوق بيجامة البيت. لم يتركوه حتى يغير ملابسه. أخذ هاتفه ومحفظته. قبل أن يخرج، مال عليها وهمس: "سيبي الشموع مولعة لحد ما أرجع. هارجع بسرعة ونكمل".


وأغلق الباب.


بقيت وحدها.


الصمت الذي كان دافئاً قبل دقائق، أصبح ثقيلاً. الشموع ما زالت مشتعلة، لكن ضوءها الآن يرتعش كأنه خائف. الكعكة ما زالت مقسومة نصفين. الورد الأحمر على الطاولة يبدو حزيناً فجأة.


جلست مكانها. لم تبكِ في البداية. كانت مصدومة من عبثية الموقف. كيف يمكن لنظام كامل أن يوقظ مخالفة نائمة منذ سنوات ليأتي في هذا التوقيت بالذات؟ كيف يمكن لورقة صغيرة، لغرامة ربما قيمتها مئة أو مئتين جنيه، أن تسحب رجلاً من حضن زوجته في عيد زواجهما؟


ثم بدأت تفكر في الرحلة التي سيقطعها الآن. سيارة الشرطة، القسم البارد، الطابور، الموظف المتعب، الخزنة التي قد تكون مغلقة، "السيستم واقع". فكرت في وجهه وهو يحاول أن يبدو متماسكاً أمام العساكر، وهو في بيجامة البيت.


في تلك اللحظة فهمت شيئاً لم تكن تفهمه من قبل. أن الزواج ليس فقط تلك اللحظات الكبيرة، السفر والصور والاحتفالات. الزواج هو أيضاً هذه اللحظات السخيفة، غير العادلة، التي تختبرك. هل ستحبينه وهو يُسحب بمخالفة سير؟ هل ستظلين ترين فيه البطل حتى وهو يرتدي بيجامة ويقف في قسم الشرطة؟


اتصلت بأخيها. حكت له وهي تضحك ببكاء. ضحك هو أيضاً وقال: "يا بنتي ده حظك. ده فيلم كوميدي". لكنه طمأنها: "هيدفع ويخرج. متخافيش".


مرت ساعة. الشموع بدأت تذوب وتنطفئ واحدة تلو الأخرى. كأنها تعد الثواني معها.


ثم رن هاتفها. كان هو.


قال: "دفعت 450 جنيه. والغرامة الأصلية كانت 150. والـ 300 تأخير وفوائد وبهدلة. أنا طالع خلاص".


عندما فتح الباب مرة أخرى، كان نفس الباب، لكن الطرقة هذه المرة كانت طرقته هو. خفيفة، مترددة، كأنه يعتذر للباب نفسه.


دخل. شعره منكوش قليلاً. يضحك ضحكة بلهاء.


قال: "تخيلي، الظابط جوه بيقولي كل سنة وانت طيب، شاف بوست عيد جوازنا على تليفوني وأنا بوريه البطاقة".


انفجرت هي ضحكاً. ضحكاً هستيرياً مع دموع كثيرة. احتضنته بقوة أكبر من المرة الأولى.


جلسا مرة أخرى. الشموع انطفأ معظمها. الكعكة بردت. لكن شيئاً ما أصبح أدفأ.


أشعلت شمعة واحدة جديدة، وضعتها في منتصف الطاولة.


قالت: "نبدأ من جديد. كل سنة وإحنا مع بعض".


قال: "كل سنة وإحنا بنهرب من مخالفات السير".


هذه الليلة لن ينساها أبداً. ليس لأنها كانت مثالية، بل لأنها لم تكن كذلك. لأن الحياة الحقيقية اقتحمت احتفالهما المصطنع، لتقول لهما: الحب ليس أن تحتفلا وحدكما في عالم مثالي، بل أن يعود أحدكما للآخر حتى لو جاء البوليس وأخذه بمخالفة قديمة.


وفي النهاية، ما هي مخالفة السير إلا رمز صغير؟ كلنا لدينا مخالفات قديمة، ديون صغيرة مؤجلة، أخطاء نسيناها، تظهر فجأة لتطرق بابنا في أسعد لحظاتنا. المهم ليس أن لا تظهر، المهم أن تجد من ينتظرك في البيت، ويبقي الشموع مضاءة حتى تعود.

تعليقات

التنقل السريع